سورة البقرة
وقوله: وكفر به يعني: وكفر بالله، والباء في به عائدة على اسم الله الذي في سبيل الله. وتأويل الكلام: وصد عن سبيل الله، وكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم أهله وولاته أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام. فالصد عن سبيل الله
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: \" {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] قُلْتُ: مَا لَهُمْ وَإِذْ ذَاكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَغْزُوا أَهْلَ الشِّرْكِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ غَزُوهُمْ بَعْدُ فِيهِ، فَحَلَفَ لِي عَطَاءٌ بِاللَّهِ مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَا أَنْ يُقَاتِلُوا فِيهِ، وَمَا يُسْتَحَبُّ، قَالَ: وَلَا يَدْعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلُوا، وَلَا إِلَى الْجِزْيَةِ تَرَكُوا ذَلِكَ \"" وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ مَيْسَرَةَ، مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثَنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا [ص: 664] أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «غَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ، وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ، وَأَرْسَلَ أَبَا عَامِرٍ، إِلَى أَوْطَاسٍ لِحَرْبِ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي بَعْضِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ وَبَعْضِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ» فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِتَالُ فِيهِنَّ حَرَامًا وَفِيهِ مَعْصِيَةٌ، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُخْرَى: أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسِيَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَتَدَافَعُ أَنَّ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ عَلَى قِتَالِ قُرَيْشٍ كَانَتْ فِي أَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا دَعَا أَصْحَابَهُ إِلَيْهَا يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ إِذْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ بِمَا أَرْسَلَهُ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ، فَبَايَعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يُنَاجِزَ الْقَوْمَ الْحَرْبَ وَيُحَارِبَهُمْ حَتَّى رَجَعَ عُثْمَانُ بِالرِّسَالَةِ، وَجَرَى بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُرَيْشٍ الصُّلْحُ، فَكَفَّ عَنْ حَرْبِهِمْ حِينَئِذٍ وَقِتَالِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبَيَّنَ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ كَبِيرٌ} وَأَنَّهُ مَنْسُوخٌ. فَإِذَا ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَانَ بَعْدَ اسْتِحْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُنَّ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ حُرُوبِهِ. فَقَدْ ظَنَّ جَهْلًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، أَعِنِّي قَوْلَهُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217] فِي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَمْرِهِ هَذِهِ [ص: 665] الْآيَةَ فِي آخِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السُّنَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهِجْرَتِهِ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ وَقْعَةُ حُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ وَهِجْرَتِهِ إِلَيْهَا. وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْمُدَّةِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ"