سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم اختلف أهل التأويل فيما نزلت هذه الآية: فقال بعضهم نزلت في الذين عزلوا أموال اليتامى حين نزل قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِنَّى لَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْيُتْمِ عِنْدِي عَلَى حِدَةٍ، حَتَّى أَخْلِطَ طَعَامَهُ بِطَعَامِي، وَشَرَابَهُ بِشَرَابِي» [ص: 706] فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ {فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] فَرَفَعَ الْإِخْوَانَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] . قِيلَ: لِافْتِرَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ أَيْتَامَ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانُ الْمُؤْمِنِينَ، خَالَطَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أَوْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ. وَالْإِخْوَانُ مَرْفُوعُونَ بِالْمَعْنَى الْمَتْرُوكِ ذِكْرُهُ وَهُوَ هُمْ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْإِخْوَانِ الْخَبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِخْوَانًا مِنْ أَجْلِ مُخَالَطَةِ وُلَاتِهِمْ إِيَّاهُمْ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ نَصْبًا، وَكَانَ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَخَالِطُوا إِخْوَانَكُمْ، وَلَكِنَّهُ قُرِئَ رَفْعًا لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُمْ إِخْوَانٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ خَالَطُوهُمْ أَوْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] فَنَصْبٌ لِأَنَّهُمَا حَالَانِ لِلْفِعْلِ غَيْرُ دَائِبَيْنِ، وَلَا يَصْلُحُ مَعَهُمَا هُوَ، وَذَلِكَ أَنَّكَ لَوْ أَظْهَرْتَ هُوَ مَعَهُمَا لَاسْتَحَالَ الْكَلَامُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنْ خِفْتَ مِنْ عَدُوِّكَ أَنْ تُصَلِّيَ قَائِمًا، فَهُوَ رَاجِلٌ أَوْ رَاكِبٌ لَبَطَلَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ بِالْكَلَامِ؟ وَذَلِكَ أَنْ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ تُصَلُّوا قِيَامًا مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَصَلُّوا رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا؛ وَلِذَلِكَ نَصَبَهُ إِجْرَاءً عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ كَمَا تَقُولُ فِي نَحْوِهِ مِنَ الْكَلَامِ: إِنْ لَبِسْتَ ثِيَابًا فَالْبَيَاضَ، فَتَنْصِبُهُ لِأَنَّكَ تُرِيدُ إِنْ لَبِسْتَ ثِيَابًا فَالْبَسِ الْبَيَاضَ، وَلَسْتَ تُرِيدُ الْخَبَرَ عَنْ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ فَهُوَ الْبَيَاضُ، وَلَوْ أَرَدْتَ الْخَبَرَ عَنْ ذَلِكَ لَقُلْتَ: إِنْ لَبِسْتَ ثِيَابًا فَالْبَيَاضَ رَفْعًا، إِذْ كَانَ مَخْرَجُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنْكَ عَنِ اللَّابِسِ أَنَّ كُلَّ مَا [ص: 707] يُلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ فَبَيَاضٌ، لِأَنَّكَ تُرِيدُ حِينَئِذٍ: إِنْ لَبِسْتَ ثِيَابًا فَهِيَ بَيَاضٌ. فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ يَجُوزُ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ: {فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] ؟ قِيلَ: جَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَإِنَّمَا مَنَعْنَاهُ لِإِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى رَفْعِهِ. وَأَمَّا فِي الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّمَا أَجَزْنَاهُ لِأَنَّهُ يَحْسُنُ مَعَهُ تَكْرِيرُ مَا يُحْمَلُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْفِعْلِ فِيهِمَا: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ تُخَالِطُونَ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ"