سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم يعني تعالى ذكره بذلك: فإن رجعوا إلى ترك ما حلفوا عليه أن يفعلوه بهن من ترك جماعهن فجامعوهن وحنثوا في أيمانهم، فإن الله غفور لما كان منهم من الكذب في أيمانهم بأن لا يأتوهن ثم أتوهن، ولما سلف منهم
وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَصْلُ الْفَيْءِ: الرُّجُوعُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] إِلَى قَوْلِهِ: {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] يَعْنِي: حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
فَفَاءَتْ وَلَمْ تَقْضِ الَّذِي أَقْبَلَتْ لَهُ ... وَمِنْ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ مَا لَيْسَ قَاضِيَا
يُقَالُ مِنْهُ: فَاءَ فُلَانٌ يَفِيءُ فَيْئَةً مِثْلَ الْجَيْئَةِ، وَفَيْئًا. وَالْفَيْئَةُ: الْمَرَّةُ. فَأَمَّا فِي الظِّلِّ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: فَاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فُيُوءًا وَفَيْئًا، وَقَدْ يُقَالُ فُيُوءًا أَيْضًا فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْفَيْءَ فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ وبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَكُونُ بِهِ الْمُؤْلِي فَائِيًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ فَائِيًا إِلَّا بِالْجِمَاعِ"