سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا وقد علمت أن الهاء والميم من قوله: مثلهم كناية جماعة من الرجال
نَارًا. ثُمَّ أَسْقَطَ ذِكْرَ الِاسْتِضَاءَةِ وَأُضِيفَ الْمَثَلُ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:
[البحر المتقارب]
وَكَيْفَ تُوَاصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ ... خِلَالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ
يُرِيدُ كَخَلَالَةِ أَبِي مَرْحَبٍ، فَأَسْقَطَ خِلَالَةً، إِذْ كَانَ فِيمَا أَظْهَرَ مِنَ الْكَلَامِ دَلَالَةٌ لِسَامِعِيهِ عَلَى مَا حُذِفَ مِنْهُ. فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ سَامِعِيهِ بِمَا أَظْهَرَ مِنَ الْكَلَامِ أَنَّ الْمَثَلَ إِنَّمَا ضُرِبَ لِاسْتِضَاءَةِ الْقَوْمِ بِالْإِقْرَارِدُونَ أَعْيَانِ أَجْسَامِهِمْ حَسُنَ حَذْفُ ذِكْرِ الِاسْتِضَاءَةِ وَإِضَافَةُ الْمَثَلِ إِلَى أَهْلِهِ. وَالْمَقْصُودُ بِالْمَثَلِ مَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا وَصَفْنَا جَازَ وَحَسُنَ قَوْلُهُ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] وَيُشَبَّهُ مَثَلُ الْجَمَاعَةِ فِي اللَّفْظِ بِالْوَاحِدِ، إِذْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَثَلِ الْوَاحِدَ فِي الْمَعْنَى. وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ تَشْبِيهُ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَعْيَانِ بَنِي آدَمَ أَوْ أَعْيَانِ ذَوِي الصُّوَرِ وَالْأَجْسَامِ بِشَيْءٍ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْكَلَامِ تَشْبِيهُ الْجَمَاعَةِ بِالْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ، لِأَنَّ عَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ أَعْيَانِ الْآخَرِينَ. وَلِذَلِكَ مِنَ الْمَعْنَى افْتَرَقَ الْقَوْلُ فِي تَشْبِيهِ الْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ، فَجَازَ تَشْبِيهُ أَفْعَالِ الْجَمَاعَةِ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى وَاحِدٍ بِفِعْلِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ حَذْفُ أَسْمَاءَ الْأَفْعَالِ، وَإِضَافَةُ الْمَثَلِ وَالتَّشْبِيهُ إِلَى الَّذِينَ لَهُمُ الْفِعْلُ، فَيُقَالُ: مَا أَفْعَالُكُمْ إِلَّا كَفِعْلِ الْكَلْبِ، ثُمَّ"