سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: فصرهن إليك اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والحجاز والبصرة: فصرهن إليك بضم الصاد من قول القائل: صرت إلى هذا الأمر: إذا ملت إليه أصور صورا، ويقال: إني إليكم لأصور أي مشتاق مائل، ومنه قول الشاعر:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] «أَيْ قَطِّعْهُنَّ، وَهُوَ الصَّوْرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ» فَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ مَنْ رَوَيْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] أَنَّهُ بِمَعْنَى فَقَطِّعْهُنَّ إِلَيْكَ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَسَوَاءٌ قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ بِضَمِّ الصَّادِ {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] أَوْ كَسْرِهَا (فَصِرْهُنَّ) إِذْ كَانَتِ اللُّغَتَانِ مَعْرُوفَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهِ {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] بِضَمِّ الصَّادِ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَى اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَعِنْدَ نَفَرٍ قَلِيلٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّهَا بِمَعْنَى: أَوْثِقْ