سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل يعني بذلك جل وعز: ومثل الذين ينفقون أموالهم، فيتصدقون بها، ويسبلونها في طاعة الله بغير من على من تصدقوا بها عليه ولا أذى منهم لهم بها ابتغاء رضوان الله
بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ؛ لِأَنَّ مَا ارْتَفَعَ عَنِ الْمَسَايِلِ وَالْأَوْدِيَةِ أَغْلَظُ، وَجِنَانُ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ أَحْسَنُ وَأَزْكَى ثَمَرًا وَغَرْسًا وَزَرْعًا مِمَّا رَقَّ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ فِي وَصْفِ رَوْضَةٍ:
[البحر البسيط]
مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْحُزْنِ مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ
فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا مِنْ رِيَاضِ الْحُزْنِ؛ لِأَنَّ الْحَزُونَ غَرْسُهَا وَنَبَاتُهَا أَحْسَنُ وَأَقْوَى مِنْ غُرُوسِ الْأَوْدِيَةِ وَالتِّلَاعِ وَزُرُوعِهَا، وَفِي الرَّبْوَةِ لِغَاتٌ ثَلَاثٌ، وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْهُنَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَهِيَ رُبْوَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَبِهَا قَرَأَتْ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ. وَرَبْوَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَبِهَا قَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا لُغَةٌ لِتَمِيمٍ، وَرِبْوَةٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَبِهَا قَرَأَ فِيمَا ذُكِرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدِي أَنْ يُقْرَأَ ذَلِكَ إِلَّا بِإِحْدَى اللُّغَتَيْنِ: إِمَّا بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَإِمَّا بِضَمِّهَا؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ النَّاسِ فِي أَمْصَارِهِمْ بِإِحْدَاهُمَا. وَأَنَا لِقِرَاءَتِهَا بِضَمِّهَا أَشَدُّ إِيثَارًا مِنِّي بِفَتْحِهَا؛ لِأَنَّهَا أَشْهُرُ اللُّغَتَيْنِ فِي الْعَرَبِ؛ فَأَمَّا الْكَسْرُ فَإِنَّ فِي رَفْضِ الْقِرَاءَةِ بِهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الرَّبْوَةَ؛ لِأَنَّهَا رَبَتْ فَغَلُظَتْ وَعَلَتْ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: رَبَا"