سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار يعني بذلك جل ثناؤه: وأي نفقة أنفقتم، يعني أي صدقة تصدقتم، أو أي نذر نذرتم؛ يعني بالنذر: ما أوجبه المرء على نفسه تبررا في طاعة الله، وتقربا به إليه،
كَالَّذِي: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] «وَيُحْصِيهِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ [ص: 14] ثُمَّ أَوْعَدَ جَلَّ ثناؤُهُ مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ رِيَاءً وَنُذُورُهُ طَاعَةً لِلشَّيْطَانِ، فَقَالَ: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270] يَعْنِي: وَمَا لِمَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ رِيَاءَ النَّاسِ وَفِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَانَتْ نُذُورُهُ لِلشَّيْطَانِ وَفِي طَاعَتِهِ، {مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270] وَهُمْ جَمْعُ نَصِيرٍ، كَمَا الْأَشْرَافُ جَمْعَ شَرِيفٍ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270] مَنْ يُنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ عِقَابَهُ يَوْمَئِذٍ بِقُوَّةِ وَشِدَّةِ بَطْشٍ وَلَا بِفِدْيَةٍ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الظَّالِمَ هُوَ الْوَاضِعُ لِلشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ الْمُنْفِقَ رِيَاءَ النَّاسِ، وَالنَّاذِرَ فِي غَيْرِ طَاعَتِهِ ظَالِمًا، لِوَضْعِهِ إِنْفَاقَ مَالِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَنَذْرِهِ فِي غَيْرِ مَالِهِ وَضَعَهُ فِيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ ظُلْمَهُ. فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَكَيْفَ قَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] وَلَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَ النَّذْرَ وَالنَّفَقَةَ؟ قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] لِأَنَّهُ أَرَادَ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا أَنْفَقْتُمْ أَوْ نَذَرْتُمْ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْكِنَايَةَ"