خطبة الكتاب
القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب قال أبو جعفر: قد دللنا على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه، على أن الله جل ثناؤه أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها، من ألسن سائر أجناس الأمم، وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدٍ قَالَ: \" لَمَّا قُتِلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمَامَةِ، دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمَامَةِ تَهَافَتُوا تَهَافُتَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا مَوْطِنًا إِلَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى يُقْتَلُوا، وَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، فَيَضِيعُ الْقُرْآنُ وَيُنْسَى، فَلَوْ جَمَعْتَهُ وَكَتَبْتَهُ؟ فَنَفَرَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَتَرَاجَعَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ \"" قَالَ زَيْدٌ: \"" فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَعُمَرُ مُحْزَئِلٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا قَدْ دَعَانِي إِلَى أَمْرٍ، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ كَاتَبُ الْوَحْيِ، فَإِنْ تَكُنْ مَعَهُ اتَّبَعْتُكُمَا، وَإِنْ تُوَافِقْنِي لَا أَفْعَلْ \"" قَالَ: \"" فَاقْتَصَّ أَبُو بَكْرٍ قَوْلَ عُمَرَ، وَعُمَرُ سَاكِتٌ. فَنَفَرْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَقُلْتُ: نَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ إِلَى أَنْ قَالَ عُمَرُ كَلِمَةً: وَمَا عَلَيْكُمَا لَوْ فَعَلْتُمَا ذَلِكَ؟ \"" قَالَ: \"" فَذَهَبْنَا نَنْظُرُ. فَقُلْنَا: لَا شَيْءَ، وَاللَّهِ مَا عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ \"" قَالَ زَيْدٌ: \"" فَأَمَرَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَكَتَبْتُهُ فِي قِطَعِ الْآدَمَ، وَكِسَرِ الْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ كَتَبَ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَلَمَّا هَلَكَ، كَانَتِ الصَّحِيفَةُ عِنْدَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إِنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ كَانَ غَزَاهَا، فِي مَرَجِ أَرْمِينِيَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينِ، [ص: 55] أَدْرِكِ النَّاسَ فَقَالَ عُثْمَانُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: غَزَوْتُ مَرْجَ أَرْمِينِيَةَ، فَحَضَرَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الشَّامِ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَتُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ. وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ، فَتُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الشَّامِ \"" قَالَ زَيْدٌ: \"" فَأَمَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَكْتُبُ لَهُ مُصْحَفًا، وَقَالَ: إِنِّي مُدْخِلٌ مَعَكَ رَجُلًا لَبِيبًا فَصِيحًا، فَمَا اجْتَمَعْتُمَا عَلَيْهِ فَاكْتُبَاهُ، وَمَا اخْتَلَفْتُمَا فِيهِ فَارْفَعَا إِلَيَّ. فَجَعَلَ مَعَهُ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ \"" قَالَ: \"" فَلَمَّا بَلَغَا {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} [البقرة: 248] «قَالَ زَيْدٌ،» فَقُلْتُ: التَّابُوهُ. وَقَالَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ: التَّابُوتُ، فَرَفَعْنَا ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ التَّابُوتُ \"" قَالَ: \"" فَلَمَّا فَرَغْتُ، عَرَضْتُهُ عُرْضَةً، فَلَمْ أَجِدُ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إِلَى قَوْلِهِ {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] \"" قَالَ: \"" فَاسْتَعْرَضْتُ الْمُهَاجِرِينَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ. ثُمَّ اسْتَعْرَضْتُ الْأَنْصَارَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، حَتَّى وَجَدْتُهَا عِنْدَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فَكَتَبْتُهَا، ثُمَّ عَرَضْتُهُ عُرْضَةً أُخْرَى، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَاسْتَعْرَضْتُ الْمُهَاجِرِينَ فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ اسْتَعْرَضْتُ الْأَنْصَارَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، حَتَّى وَجَدْتُهَا مَعَ رَجُلٍ آخَرَ، يُدْعَى خُزَيْمَةُ أَيْضًا، فَأَثْبَتُّهَا فِي آخِرِ بَرَاءَةَ، وَلَوْ تَمَّتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ، لَجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ [ص: 56] عَرَضْتُهُ عُرْضَةً أُخْرَى فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ شَيْئًا. ثُمَّ أَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ يَسْأَلُهَا أَنْ تُعْطِيَهُ الصَّحِيفَةَ، وَحَلَفَ لَهَا لَيَرُدَّنَّهَا إِلَيْهَا، فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهَا، فَعَرَضَ الْمُصْحَفَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي شَيْءٍ فَرَدَّهَا إِلَيْهَا، وَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكْتُبُوا مَصَاحِفَ، فَلَمَّا مَاتَتْ حَفْصَةُ، أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيفَةِ بِعَزْمَةٍ، فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا، فَغُسِّلَتْ غُسْلًا \"" وَحَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، بِنَحْوِهِ سَوَاءً"