الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: تَقَبَّلَ مَرْيَمَ مِنْ أُمِّهَا حَنَّةَ بِتَحْرِيرِهَا إِيَّاهَا لِلْكَنِيسَةِ وَخِدْمَتِهَا، وَخِدْمَةِ رَبِّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وَالْقَبُولُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَبِلَهَا رَبُّهَا، فَأُخْرِجَ الْمَصْدَرُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى لَفْظِهِ لَكَانَ: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا تَقَبُّلًا حَسَنًا، وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ كَثِيرًا أَنْ يَأْتُوا بِالْمَصَادِرِ عَلَى أُصُولِ الْأَفْعَالِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا فِي الْأَفْعَالِ بِالزِّيَادَةِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: تَكَلَّمَ فُلَانٌ كَلَامًا، وَلَوْ أُخْرِجَ الْمَصْدَرُ عَلَى الْفِعْلِ لَقِيلَ: تَكَلَّمَ فُلَانٌ تَكَلُّمًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37] وَلَمْ يَقُلْ: إِنْبَاتًا حَسَنًا"