المرهق الذي ذكرنا، ومسألةٌ أخرى وهي أن الأخرق لو خوّف، فما يحسبه مهلكاً ولم يكن كذلك، فقد ينتهي إلى سقوط الاختيار، وهذا يُخرَّج على ما إذا رأى سواداً ظنه عَدُوَّاً، فصلى صلاة الخوف، ثم لم يكن كما ظنّ.
فأما الطريقة الأولى، فمن ضرورتها الفصل بين المطلوب والمطلوب، فالإكراه على القتل فوق الإكراه على الطلاق وإتلافه المال. ثم الإكراه على القتل يقع بالتخويف بالقتل لا غير في وجهٍ، أو بالتخويف بالقطع الذي يكون مثله عمداً في قتل النفس، فأما ما عداه، فلا يكون إكراهاً على القتل؛ فليس التخويف بإتلاف المال والولد إكراهاً على القتل.
فأما الإكراه على الطلاق، فلا يشترط فيه القتل والقطع، ثم قال الأصحاب: يختلف الإكراه باختلاف درجة المكرَه، كما حكيناه.
وذكروا خلافاً فيما يتعلق بغير بدن المطالَب: كالإكراه بإتلاف المال وقتل الولد ومن في معناه.
فينتظم منه أن ما يتعلق ببدن المطالَب المكرَه، فإن كان عقوبةً وإيلاماً، أو حبساً يهون الطلاق في مقابلته، فهو إكراه، ثم الآلام تختلف بقوّة المكرَه وضعفه، فقد يحتمل القوي الضربَ العنيف، والضعيفُ لا يحتمله، فهذا مما يختلف باختلاف الأبدان لا محالة، وما يرجع إلى حط الجاه، والغضّ من المروءة كالصفع على رؤوس الأشهاد، وتكليف الإحفاء وتحسر الرأس في الأسواق، فهذا مختلف فيه: فمن أصحابنا من لا يراه إكراهاً، ومنهم من يراه إكراهاً في حق من يعظم وقعُه في حقه.
هذا فيما يتعلق بالمُطالَب.
فأما ما يتعلق بغيره، فهو التخويف بإتلاف المال، وقتل الولد، أو الوالد، فهذا فيه اختلاف: فمنهم من يجعله إكراهاً، ومنهم من لا يجعله إكراهاً، ففي كلام العراقيين ما يدل على أن التخويف بالمال في مقابلة المال إكراه، وليس التخويف بإتلاف المال في مقابلة الطلاق إكراهاً.