كما دلت هذه الآيات والأحاديث المتقدمة على رد الإدعاء بأن العبد هو الموجد لفعله من غير أن يكون لله جل وعلا تقدير ومشيئة في ذلك، وهذا الإدعاء هو الذي عليه جمهور القدرية.
وقد جعلته المعتزلة أحد أصولهم الخمسة وسموه بالعدل، وستروا تحته نفي القدر، وقالوا: إن العباد هم الذين يقصدون الخير والشر بمشيئتهم، وأما الله جل وعلا فإنه لا يريد ولا يقدر إلا الخير دون الشر.
فالله جل وعلا لا يخلق الشر ولا يقضي به، إذ لو خلقه فعمل به العباد، ثم عذبهم عليه، لكان ذلك جوراً، والله تعالى عدل لا يجور.
وقدر رد هذا الادعاء: بأنه يلزم على هذا الأصل الفاسد، أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يريده، فيريد الشيء ولا يكون، ولازمه وصفه جل وعلا بالعجز والضعف إذ أن مشيئة العباد أغلب من مشيئته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. (١)
ومذهب القدرية هذا، خلاف مذهب أهل السنة والجماعة الذين يرون أن أفعال العباد كلها من طاعات ومعاص مخلوقة لله عز وجل، مقدرة على العباد مقضية عليهم بل وقوعها منهم.
وهذا لا يعني أن العبد مسلوب المشيئة والإرادة كما يدعي الجبرية، لكن أهل السنة يرون أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة غير خارجة عن مشيئة الله وتقديره، بل هي تابعة لمشيئته جل وعلا.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة مع قولهم: (الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة، كما قال جل ذكره: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)} التكوير:٢٨ - ٢٩. أهـ. (٢)
(١) انظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد (١/ ١٣٥) وشرح العقيدة الطحاوية (١١٩).
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٨/ ٦٣).