سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء الأمصار بضم الظاء , وقرأه بعضهم: (إلا من ظلم) بفتح الظاء , ثم اختلف الذين قرءوا ذلك بضم الظاء في تأويله؛ فقال
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ , قَالَ: ثنا أَبُو عُبَيْدٍ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنْ يُونُسَ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: \" هُوَ الرَّجُلُ يَظْلِمُ الرَّجُلَ , فَلَا يَدْعُ عَلَيْهِ , وَلَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ , لِي حَقِّي , اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ , وَنَحْوَهُ مِنَ الدُّعَاءِ. فَـ «مَنْ» عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ لِأَنَّهُ وَجَّهُهُ إِلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ , وَاسْتَثْنَى الْمَظْلُومَ مِنْهُ , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ , إِلَّا الْمَظْلُومَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِ بِهِ , وَهَذَا مَذْهَبٌ يَرَاهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ خَطَأً فِي الْعَرَبِيَّةِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عِنْدَهُمْ بِالْجَهْرِ , لِأَنَّهَا فِي صِلَةِ أَنْ , وَأَنْ لَمْ يَنَلْهُ الْجَحْدُ فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهِ؛ مِنَ الْخَطَأِ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَقُومَ إِلَّا زَيْدٌ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ نَصَبًا عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَيَكُونَ قَوْلُهُ: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 148] كَلَامًا تَامًّا , ثُمَّ قِيلَ: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] فَلَا"