سورة هود
القول في تأويل قوله تعالى: ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير يقول تعالى ذكره: ولئن نحن بسطنا للإنسان في دنياه، ورزقناه رخاء في عيشه، ووسعنا عليه في رزقه؛
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: \" {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} [هود: 10] غُرَّةٌ بِاللَّهِ وَجُرْاءَةٌ عَلَيْهِ. {إِنَّهُ لَفَرِحٌ} [هود: 10] وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، {فَخُورٌ} [هود: 10] بَعْدَ مَا أَعْطَى اللَّهُ، وَهُوَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ \"" ثُمَّ اسْتَثْنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي وَصَفَهُ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ مِنْهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بِمَعْنَى الْجِنْسِ، وَمَعْنَى الْجَمْعِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر: 2] فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هود: 11] ، فَإِنَّهُمْ إِنْ تَأْتِيَهُمْ شِدَّةٌ مِنَ الدُّنْيَا وَعُسْرَةٌ فِيهَا لَمْ يُثْنِهِمْ ذَلِكَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمْ صَبَرُوا لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ، فَإِنْ نَالُوا فِيهَا رَخَاءً وَسَعَةً شَكَرُوهُ وَأَدُّوا حُقُوقَهُ بِمَا آتَاهُمْ مِنْهَا. يَقُولُ اللَّهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [هود: 11] يَغْفِرُهَا لَهُمْ، وَلَا يَفْضَحُهُمْ بِهَا فِي مِعَادِهِمْ. {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11] يَقُولُ: وَلَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَعَ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ ثَوَابٌ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا جَزِيلٌ، وَجَزَاءٌ عَظِيمٌ"