سورة آل عمران
القول في تأويل قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون اختلف أهل التأويل في قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع
كَمَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] يَقُولُ: \" تَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْإِقْرَارِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَتُقَاتِلُونَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هُوَ أَعْظَمُ الْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْمُنْكَرُ: هُوَ التَّكْذِيبُ، وَهُوَ أَنْكَرُ الْمُنْكَرِ \"" وَأَصْلُ الْمَعْرُوفِ: كُلُّ مَا كَانَ مَعْرُوفًا فَفِعْلُهُ جَمِيلٌ مُسْتَحْسَنٌ غَيْرُ مُسْتَقْبَلٍ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ طَاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَلَا [ص: 677] يُسْتَنْكِرُونَ فِعْلَهُ، وَأَصْلُ الْمُنْكَرِ مَا أَنْكَرَهُ اللَّهُ، وَرَأَوْهُ قَبِيحًا فِعْلُهُ، وَلِذَلِكَ سُمَّيَتْ مَعْصِيَةُ اللَّهِ مُنْكَرًا، لِأَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ يَسْتَنْكِرُونَ فِعْلَهَا، وَيَسْتَعْظِمُونَ رُكُوبَهَا وَقَوْلُهُ: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] يَعْنِي: تُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ، فَتُخْلِصُونَ لَهُ التَّوْحِيدَ وَالْعِبَادَةَ. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: وَكَيْفَ قِيلَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] وَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرُ الْأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، لِقَوْمٍ كَانُوا خِيَارًا فَتَغَيَّرُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ، كَمَا قِيلَ: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ} [الأنفال: 26] ، وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86] فَإِدْخَالُ «كَانَ» فِي مِثْلِ هَذَا وَإِسْقَاطُهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعْرُوفٌ مَعْنَاهُ، وَلَوْ قَالَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ قَائِلٌ: كُنْتُمْ بِمَعْنَى التَّمَامِ، كَانَ تَأْوِيلُهُ: خُلِقَتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أَوْ وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، كَانَ مَعْنًى صَحِيحًا، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ اللَّذَانِ قُلْنَا أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ قَبْلُ. وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: كُنْتُمْ خَيْرَ أَهْلِ طَرِيقَةٍ، وَقَالَ: الْأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ"