وذكر (١) بعضهم: إن في الإنجيل: أذهبُ إلى أبي وأبيكم فتأولوا على ذلك.
وذكر بعضهم: أن عيسى عليه السلام كان يقول: إذا توضأت فقل: يا أبانا الذي (٢) في السماء ليتقدس اسمك. وزاد بعضهم: وإذا صمت فادهن وجهك كي لا يعلم به غير أبيك الذي في السماء.
وذهب بعضهم: إلى أن المراد نحن أبناء أنبياء الله.
فاحتج الله عليهم فقال: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} والأب لا يعذب ولده، وكانوا مقرين بالتعذيب على ما سبق (٣).
وقيل: يريد تعذيب من سبق منهم بالقتل والأسر والمسخ قردة وخنازير.
{بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي: أنتم خلق من خلقه لا مزية لكم على غيركم.
{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} منكم ومنهم بعد الإيمان به ورسله.
{وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} من الفريقين على الكفر والذنوب.
{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)} فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وكلكم في ذلك سواء.
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} محمد -صلى الله عليه وسلم- {يُبَيِّنُ لَكُمْ} شرائعكم فإنّ ما أنتم عليه ضلال لا يرضاه ديناً (٤).
(١) في (جـ): (وذهب بعضهم).
(٢) سقطت كلمة (الذي) من (جـ).
(٣) قال ابن عاشور ٦/ ١٥٦: (ليس المقصود من هذا أن يردَّ عليهم بوقوع العذاب عليهم في نفس الأمر من تقدير العذاب لهم في الآخرة على كفرهم؛ لأن ذلك لا يعترفون به، فلا يصلح للردّ به، إذ يصير الرد مصادرة، بل المقصود الردّ عليهم بحصول عذاب يعتقدون حصوله في عقائد دينهم، سواء أكان عذاب الآخرة أم عذاب الدنيا. فأما اليهود فكتبهم طافحة بذكر العذاب في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} البقرة: ٨٠، وأما النصارى فلم أرَ في الأناجيل ذكراً لعذاب الآخرة إلا أنهم قائلون في عقائدهم بأن بني آدم كلهم استحقوا العذاب الأخروي بخطيئة أبيهم آدم، فجاء عيسى بن مريم مخلصاً وشافعاً وعرَّضَ نفسه للصلب ليكفِّر عن البشر خطيئتهم الموروثة، وهذا يُلزمهم الاعتراف بأن العذاب كان مكتوباً على الجميع لولا كفارة عيسى، فحصل الرد عليهم باعتقادهم به بله اعتقادنا).
وقد أطال الشيخ محمد رشيد رضا الكلام على هذه الآية في «تفسير المنار» ٦/ ٢٦١ - ٢٦٤.
(٤) في (جـ): (لا يرضاه ربنا).