فقال يوسف: على أيِّ ابنَيْه حزنُه وبكاؤُه أشدُّ؛ أعلى هذا السَّارق المرتهَن بسرقتِه أم على الأوَّل الَّذي أخبرَنا الصُّواع خبرَه.
فقالوا: أمَّا الأوَّل فقد يئسَ منه ونسيَه وذهبَ عنه حزنُه، ولكنَّما بكاؤه على هذا المحبوس عندك، وقد أرسَلَنا فيه إليك رسالة، لولا مهابتك ومخافةُ ألَّا تصدِّقنا لبلَّغناك قولَه.
قال: فأخبروني، فإنَّكم آمنون إن صدَقتموني.
فلمَّا بلَّغوه رسالةَ أبيه لم يملك (١) نفسه بكاء وحزنًا، وبكى بأعلى صوتِه، وعندها باحَ لهم بحاله، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٨٩) - {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}.
{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}: قال صاحب "كتاب عصمة الأنبياء": هذا مِن يوسف تذكيرٌ لهم بما سبقَ مِن فعلِهم بمكانِه، ليجدِّدوا الانتباه والاهتمام، وذكرَ أخاه وما فعلوا بمكانِه، كأنَّ أخاه شكا إليه من سوء معاملتهم معه كمعاداة (٢) الإخوة، وقلَّة شفقتهم بمكان أخيهم.
أو لَمَّا رأى منهم تقريعًا لأخيهم عندَ استخراج الصُّواع من وعائِه حسبانًا منهم أنَّ أخاه كان قد سرقَ المتاع، فاستقبلَهم المكروهُ مِن سببِه، فعنَّفوا عليه، دليله قوله: {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}؛ أي: لم تعلموا بحاله (٣)،. . . . . .
(١) "يملك" من (أ) و (ف).
(٢) في (ر): "لعادات"، وفي (ف): "كعادات".
(٣) في (أ) و (ف): "الحالة".